الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
290
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
صور جميلة إكمالا للنعمة . و الْأَنْفُسُ فاعل تَلَذُّ وحذف المفعول لظهوره من المقام . وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ما تَشْتَهِيهِ بهاء ضمير عائد إلى ما الموصولة وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام ، وقرأه الباقون ما تَشْتَهِي بحذف هاء الضمير ، وكذلك رسم في مصحف مكة ومصحف البصرة ومصحف الكوفة . والمروي عن عاصم قارئ الكوفة روايتان : إحداهما أخذ بها حفص والأخرى أخذ بها أبو بكر . وحذف العائد المتصل المنصوب بفعل أو وصف من صلة الموصول كثير في الكلام . وقوله : وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ بشارة لهم بعدم انقطاع الحبرة وسعة الرزق ونيل الشهوات ، وجيء فيه بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات تأكيدا لحقيقة الخلود لدفع توهم أن يراد به طول المدة فحسب . وتقديم المجرور للاهتمام ، وعطف على بعض ما يقال لهم مقول آخر قصد منه التنويه بالجنة وبالمؤمنين إذ أعطوها بسبب أعمالهم الصالحة ، فأشير إلى الجنة باسم إشارة البعيد تعظيما لشأنها وإلا فإنها حاضرة نصب أعينهم . وجملة وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها الآية تذييل للقول . واسم الإشارة مبتدأ و الْجَنَّةُ خبره ، أي تلك التي ترونها هي الجنة التي سمعتم بها ووعدتم بدخولها . وجملة الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ صفة للجنة . واستعير أُورِثْتُمُوها لمعنى : أعطيتموها دون غيركم ، بتشبيه إعطاء اللّه المؤمنين دون غيرهم نعيم الجنة بإعطاء الحاكم مال الميت لوارثه دون غيره من القرابة لأنه أولى به وآثر بنيله . والباء في بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ للسببية وهي سببية بجعل اللّه ووعده ، ودل قوله كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على أن عملهم الذي استحقّوا به الجنة أمر كائن متقرر ، وأن عملهم ذلك متكرر متجدد ، أي غير منقطع إلى وفاتهم . وجملة لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ صفة ثانية للجنة . والفاكهة : الثمار رطبها ويابسها ، وهي من أحسن ما يستلذّ من المآكل ، وطعومها معروفة لكل سامع . ووجه تكرير الامتنان بنعيم المأكل والمشرب في الجنة : أن ذلك من النعيم الذي لا تختلف الطباع البشرية في استلذاذه ، ولذلك قال : مِنْها تَأْكُلُونَ